السيد الطباطبائي
42
تفسير الميزان
المادة المشتركة التي لا اختلاف فيها فاختلاف العناصر المكونة منها يدل على عامل آخر وراء المادة يدبر أمرها ويسوقها إلى غايات مختلفة . والظاهر أن المراد باختلاف ألوان الثمرات اختلاف نفس ألوانها ويلزمه اختلافات أخر من حيث الطعم والرائحة والخواص ، وقيل المراد باختلاف الألوان اختلاف الأنواع فكثيرا ما يطلق اللون في الفواكه والأطعمة على النوع كما يقال : قدم فلان ألوانا من الطعام والفاكهة فهو من الكناية ، وقوله بعد : " ومن الجبال جدد بيض وحمر " لا يخلو من تأييد للوجه الأول . وفي قوله : " فأخرجنا به " الخ . التفات من الغيبة إلى التكلم . قيل : إن ذلك لكمال الاعتناء بالفعل لما فيه من الصنع البديع المنبئ عن كمال القدرة والحكمة . ونظير الوجه يجري في قوله السابق : " إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا " وأما ما في الآية السابقة من قوله : " ثم أخذت الذين كفروا فكيف كان نكير " فلعل الوجه فيه أن أمرهم إلى الله لا يتخلل بينه وبينهم أحد حتى يشفع لهم أو ينصرهم فينجوا من العذاب . وقوله : " ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود " الجدد بالضم فالفتح جمع جدة بضم الجيم وهي الطريقة والجادة ، والبيض والحمر جمع أبيض وأحمر ، والظاهر أن قوله : " مختلف ألوانها " صفة لجدد و " ألوانها " فاعل " مختلف " ولو كانت الجملة مبتدء وخبرا لقيل : مختلفة ألوانها كما قيل ، والغرابيب جمع غربيب وهو الأسود الشديد السواد ومنه الغراب و " سود " بدل أو عطف بيان لغرابيب . والمعنى : ألم تر أن من الجبال طرائق بيض وحمر وسود مختلف ألوانها ، والمراد إما الطرق المسلوكة في الجبال ولها ألوان مختلفة ، وإما نفس الجبال التي هي خطوط مختلفة ممدودة على وجه الأرض بيض وحمر وسود مختلف ألوانها . قوله تعالى : " ومن الناس والدواب والانعام مختلف ألوانه كذلك " أي ومن الناس والدواب التي تدب في الأرض والانعام كالإبل والغنم والبقر بعض مختلف ألوانه بالبياض والحمرة والسواد كاختلاف الثمرات والجبال في ألوانها .